العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

بقايا الذات ..

3,219 مشاهدة3 دقيقة قراءة

يد رافدينية أخرى تبدع في مزج التراث والحداثة .. ومحاولة أخرى لتدوين مساحات واسعة من حياة المجتمع العراقي عن طريق رسم ملامح المدن والأشياء والوجوه والشخصيات العراقية والتي لجأ إليها كغيره من المحدثين في الفن التشكيلي ليطلعنا على مهارته الفنية ورؤيته وتجربته في انتقاء المعنى الحسي وأثراء أعماله الفنية المفعمة بالأبعاد الإنسانية والجمالية .. تلك هي يد الفنان التشكيلي إبراهيم العبدلي.

ولد إبراهيم في بغداد عام 1940 وتخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1965، حصل على شهادة الماجستير في الفنون من مانشستر بولتكنيك في لندن عام 1980..و يُعد من رواد المدرسة الواقعية العراقية وأحد أقطابها البارزين بعد أستاذه الرائد فائق حسن .

أقام الفنان كثيراً من المعارض الشخصية والمشتركة وعلى نطاق عالمي ومحلي ، حيث أقام معارض فردية ومشاركات في لندن و أمريكا و بعض من مدن روسيا وكانت انطلاقته الأولى نحو العالمية من معرضه الشخصي الأول في لندن .

انتهج العبدلي في هذه اللوحة منهج الواقعية حيث عمد إلى رسمها بمادة الزيت على القماش وهي عبارة عن عربة قديمة محطمة تتقدم على عربة أخرى وسط أجواء غير مشخصة، لكنها تحمل السمات اللونية التي حققت مناخاً للبيئة الشرقية, فقد عمد إلى استخدام طريقة تلوين عالج فيها البعد المنظوري وحركة الظل والضوء داخل اللوحة، فالعجلة القريبة على أرض اللوحة أكبر حجماً من تلك الموجودة في العمق, والجزء الأول الأقرب من العربة أكبر من الجزء الأبعد, وحتى رسم العجلة والعربة كان بطريقة منظورية غاب عنها التحوير بقدر ما كان الشكل واقعيا.

 لو دققنا النظر في اللوحة لوجدنا إن الشكل الأساسي (العربة) تقع وسط فضاء لوني احتوى على طبيعة لونية تميل إلى شدة في الضوء، فالأجواء توحي للمشاهد بحرارة اللون وغياب التشخيص عن الفضاء، العربة تبدو كأنها وُضعت وسط عالم مجرد لا يملك هوية إلا من خلال ما يتركه اللون من انطباعات في نفس المتلقي، فهي في مكان تجريدي مع الحفاظ على بعض المزايا المنظورية التي تأسس وفقها هذا المكان وحتى هاتين المفردتين المتمثلتين بالعربتين نفذتا بطريقة كانت عبارة عن توزيعات لونية متجاورة، ومن خلال هذا التجاور أظهر الفنان ما يريد إيصاله من شكل .

عمد العبدلي إلى استخدام تقنية الاختزال الشكلي في رسم عناصر اللوحة .. والاختزال هو العنصر الذي حكم بناء المفردات والمكان وهذا كله يعكس ذات الفنان في جعل اللوحة حاملة لرؤية يُستدل عليها أولا من خلال منظوره الخاص للون ومن ثم النظر إلى الواقع على أنه واقع يخرج من حيز التأويل الذاتي إلى حيز الخطاب البصري الذي يعكس جانباً تعبيرياً بواسطة العملية البنائية في أحكام العلاقة بين مفردات اللوحة وأجوائها وهذا ما يعكس خصوصية الأسلوب الشخصي للفنان.

على الرغم من الواقعية المطروحة داخل اللوحة إلا أن الجانب الحداثي هو الذي مكن هذه المفردات من البدء بصراحة التعبير وسط عالم ملون بطريقة ذاتية خالصة وله سمات اسلوبية تنطلق من طبيعة النظر الى اللون.

ولكن لو تأملنا هذا الابداع من باب الحداثة لوجدنا ان العمل هنا يرتكز على طبيعة اللون في إداء رسالته بغض النظر عما تؤول إليه اللوحة من الجانب التشخيصي كونها ذات مسحة عراقية أم لا ،وهذا ما رأيناه في جزء من أعمال وتجارب العديد من رواد التشكيل العراقي ، إلا أن آلية تشكيل اللوحة تنتمي إلى السياق العراقي في الفن الحديث الذي أبصر النور مطلع العقد الخمسيني من القرن العشرين الذي كان ميالاً نحو التوظيف الرمزي للشكل والبعد الدلالي الذي يخرج بالريادة من الجانب التعبيري .. فقد بقيت العربات وحيدة من دون خيول أو من يقودها وكأن الحياة قد توقفت فيها ولكنها بقيت تصارع الزمن في مكانها ، مما خلق تأثيراً مباشراً على المتلقي من خلال التشكيل الاحترافي للبعد الرمزي والتعبيري في اللوحة وبالتالي تحقيق ثنائية التراث والحداثة التي يسعى لها التشكيل العراقي الحديث.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.