العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

طقوسٌ وأزقة ..

10,596 مشاهدة4 دقيقة قراءة


وظف الكثير من الفنانين التشكيليين الرموز الإسلامية ليعبروا بها عن الدلالات الدينية والاجتماعية بين أبناء جلدتهم ، بأشكالها المتمثلة بالقباب والمآذن والأبواب المقوسة والخطوط والزخارف العربية المحمّلة بحقائق ذات معانٍ إنسانية وروحية ، يفصح عنها شكل الرمز المتعارف عليه في تلك المجتمعات ليكون وسيلة إتصال بين الناس ، وقد أدرك الفنان نواحيها الجمالية فاستخدمها كأداة جذب ومحط اهتمام بصري وفكري .
اللوحة أعلاه من سلسلة الإبداعات التشكيلية للفنان العراقي المغترب " سلمان عباس شلهوب " عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية التابعة لليونسكو في باريس ، الذي درس الفن في معهد الفنون الجميلة في بغداد وحصل على شهادة البكلوريوس من اكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد ، وله العديد من المشاركات والمعارض في المحافل الدولية والمحلية، فضلاً على حصوله على العديد من الجوائز العربية والعالمية .
مثل سلمان شلهوب العراق في المحافل الدولية من خلال لوحاته وإبداعاته التي وُشّحت في الغالب بالتراث المحلي بخطوطه وزخارفه ونقوشه المختلفة التي صاغها بأسلوب قصصي تشكيلي و بتقنيات مختلفة بين لوحة وأخرى.
يجذب منجز الفنان سلمان شلهوب نظر المشاهد من خلال توزيعه المساحات في المشهد لتشغل معظم سطحه ، الذي احتوى على مساحات مشغولة بأشكال هندسية متلاحمة ومتجاورة ، متكوّنة من أشكال الأقواس والمثلثات والمستطيلات المتداخلة فيما بينها ، مكوّنة شكلاً أشبه بأبنية المساجد في الأزقة البغدادية القديمة .
فلو تتبعنا تفاصيل اللوحة وبنيتها التكوينية وأشكالها المسطحة الخالية من المنظور عن كثب لاتضح لنا جليّاً إنها تتألّف من أشكال هندسية متراصّة التركيب ذات قوام تطغى عليه أشكال الرموز الاسلامية المختلفة ، فقد استخدم الفنان اسلوب التجريد الهندسي بأقترابات تعبيرية في تمثيل عناصر اللوحة وقد طغى الجانب التصميمي على الجو العام للمشهد .
فالمشاهد وهو يراقب الأشكال لا يمرُّ بالتفاصيل المكوّنة للبناء إلّا بعد اكتمالها كشكلٍ هندسيٍّ متوازن ، فقد وظف الفنان أشكاله الهندسية المتمثلة بالمربعات والمستطيلات والأشكال المعينية والخطوط العريضة بتكوينات زخرفية هندسية تخللت سطح البناء الكلي وعناصره الجزئية لتضفي عليه قيمة جمالية عالية من خلال تناسق الأشكال الموزّعة على المشهد وبتكوينات متباينة ومنسجمة في الوقت ذاته محققة لحناً متوازناً للأشكال من خلال تنظيمها الإيقاعي ، فضلاً عن القيمة التشكيلية التي حملها المشهد من خلال ربط مفردات الموضوع وأشكاله المختلفة الملمس والألوان بوحدة الموضوع المتمثلة بالقباب والأهلّة التي تعود بذاكرة المشاهد
إلى الأزقة القديمة في تراثنا العربي الاسلامي .
تتجلى للمشاهد وللوهلة الأولى أشكال الرموز الإسلامية التي اقتبسها الفنان من التراث وما يحتويه من زخارف ونقوش مميزة ، حيث وظف الفنان تلك الرموز بتراكيب جديدة مستفيداً من مقوّمات التركيب البنائي للرموز الإسلامية التراثية ليصوغها بشكل جديد، فالقباب والأهلة والأبواب المزخرفة التي أولاها الفنان عناية خاصة في اللوحة ــ لما لها من تأثير عند العرب المسلمين وما تحمله من دلالة خاصة ــ أصبحت الفيصل بين عالمي اللوحة الداخلي المتمثل بالمجتمع والخارجي المتمثل بالمطلق ووجود الله سبحانه وتعالى .
ومن المثير للإنتباه أن الرمز الإسلامي الذي احتل مركز السيادة في المنجز هو شكل الهلال المتمركز وسط سطحه والذي حمل قيمة تشكيلية من خلال ربطه بين المسجد والمدينة في هذه اللوحة فمن خلاله أوجد الفنان الآصرة الكبيرة التي تربط بين المسجد والمجتمع (المدينة) ، وفيه إشارة رمزية واضحة لارتباط العالم المحسوس بعالم المثل وارتباط المسلمين بالخالق جل وعلا وبأجواء روحانية وقدسية ، فهو رمز الإسلام الأول واتفقت عليه شعوب العالم الإسلامي ، وتبرز دلالة الهلال وأهميته واضحة في تحديد الشهر العربي واقترانه بالأجواء الروحية التي فعّلها الدين الإسلامي.
أما عن الدلالات اللونية في هذه اللوحة ، فإن تعامل الفنان مع اللون لم يكن على أساس قيمته التشكيلية أو الجمالية فحسب، بل كان لقيمة اللون الرمزية والتعبيرية الأثر الواضح في اختياره للألوان وتوظيفها بشكل رمزي أو تعبيري ، فعمد على جعل الفضاء العام للمنجز يميل إلى اللون البني بدرجات متفاوتة ، تخللته مساحات بألوان عدة تراوحت بين التبني ودرجاته والأحمر والبرتقالي وبعض الألوان كالأبيض والأخضر وحتى الأسود ، فضلاً عن بعض المساحات اللونية الخليطة المتناثرة في ثنايا اللوحة لينتج عن كل هذا التنوع اللوني إفصاحاً لدلالات الحركة والتكرار الخطي واللوني الذي يقود الإيقاع إلى هندسة اللاشكل وإشغال المساحة الكلية للفضاء بتداخل البُنى وتراكب الأشكال الهندسية مع الخلفية المميزة كأنها جدران لبيوتات الازقة العراقية القديمة .
ومن الجدير بالذكر ، أن في هذه اللوحة ، ثمة تحوّلات فكرية وبنائية تنسجم مع ما آلت إليه الفنون التشكيلية من عمليات البحث تجريبي لطبيعة الفن وتداولية مفاهيمه في مرحلة مابعد الحداثة ومحاولة توظيفه لاستعادة تراثنا المحلي الجميل بحلة حداثوية أخّاذة ، ويبدو أن شلهوب قد أبدع في هذا المجال ، فقد عبر بمنجزه الإبداعي هذا عن قابلية الذات في كشف الجمال المستتر وراء تجريد الأشكال وألوانها .

 

سامر قحطان القيسي

 

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.