العتبة الحسينية المقدسة
لوحات

تراتيل من سماء الطفوف ..

6,771 مشاهدة4 دقيقة قراءة

اللوحة اعلاه تحمل توقيع الفنان التشكيلي  " عبد الحميد قديريان " وهي احدى مكملات معرضه الشخصي  المعنون " سماء كربلاء " وتعد أحد المفاصل المهمة في هذا المعرض الذي استعرض في لوحاته معركة الطف بأغلب احداثها المفجعة  ، وقد اكتسب المعرض قبولا كبيراً برموز المعبرة التي تحملها لوحاته عن واقعة الطف وثورة الامام الحسين عليه السلام لأحقاق الحق .

ولد ونشأ قديريان في طهران ، اذ حصل على شهادته الاولية من كلية الفنون الجميلة بجامعة طهران، ليواصل دراسته في نفس الجامعة حتى حصوله على درجة الماجستير في الفن ، احب فن الرسم منذ طفولته بدعم من اسرته ، وقد عمل في المجالات الفنية المختلفة كالسينما والمسرح بصفة ماكيير ثم مصمماً للديكور والازياء فضلاً عن مهارته في فن الاضاءة والانارة مما زاد من خبراته اللونية في مجال الرسم ، شارك في اكثر من اربعين معرضا للفنون التشكيلية بين شخصي ومشترك فضلا عن الكثير من الأعمال الفنية المتفاوتة بين الرسم والنحت والفنون اخرى .

 

تتضح في هذه اللوحة الفنية رموز وعناصر ذات منحى فكري أسترجاعي على مستوى المخيلة والذاكرة، انجزها الفنان وهي محملة بشحنة عاطفية تعبيرية ذاتية تتوسم حيزاً استبطانياً، وكأن الفنان بمنظومته العقلية استدعى نشاطه التخيلي بكثافة ليمنح العمل مسحة خاصة في رؤيته الفنية لفكرة العمل ، وكان ذلك عبر إنشائه المفتوح الذي يمكن من خلالها الولوج لفك شفرات رموزه الروحية التي انتقاها الفنان للتعبير عن الحدث ، فهو يقيم علاقة ابتدائية بين ذاته والموضوع أولاً ومن ثم يهيئ نفسية المتلقي للتفاعل الوجداني عبر اتخاذه من زمن الأصيل مادة أساسية للتعبير في محاولة للوصول إلى حقيقة المشهد ، وهو بذلك يحقق الغاية الأساسية في الربط ما بين الفن وعقيدته الدينية الشيعية ، فالأثر الفني الذي يتركه الرسام يعبر عن جوهر حقيقة قائمة أكثر مما يكون نقلاً أو محاكاة للصورة الواقعية والجمال .

لو امعنا النظر في عناصر اللوحة وعبر انتشار المساحة اللونية المدركة ، لوجدنا ان الفنان يحاول نقل المشاهد إلى مكان الحدث ( الصحراء ) ، فأعطى بذلك إحساسا بملمس الرمال وأرضية المكان ، ويمد البصر إلى الأفق ، ومنها إلى هالة النور ( اعلى السماء والمتمثلة بالسيدة الزهراء سلام الله عليها ) التي تشخص إليها الأبصار شاكية  لما حل بذريتها الاطهار .

تعامل عبد الحميد مع موضوعه ببصيرة تعبر عن جوهر الوجدان الإنساني ، فأحالتنا الوانه بتناسقها وتناغمها وانسجامها إلى شعور يأخذ مأخذه في النفس مثيراً لعواطف الإنسان لأحداث يوم عاشوراء من حزن وألم وحنين ، ويبدو ان الفنان قد نجح في تحقيق ذاته العقائدية وأحدث تأثيره في المتلقي ، زاد من ذلك إبداعه لشكل تعبيري في علاقة وطيدة من جو العمل والمتمثل بشخص السيدة زينب عليها السلام ومن معها ، ليشكل مركز الرؤية الأساس لينطلق منها البعد المنظوري الى عمق اللوحة مستفيدا من تدرجات اللالوان والمتفاوتة ، فأعطت الألوان مردودات فنية وواقعية زادت من التعبير عن واقعية الحدث،

 فعبر وقوف السيدة زينب عليها السلام على مكان مرتفع امام حشود الجيش عن أيقونة ثابتة عن مظلومية ال بيت النبوة يوم عاشوراء ، فلم يجد الرسام ضرورة لأن يثبت فيه السهام وآثار الطعن على الاجساد الطاهرة ، فهو يعطي النتيجة النهائية دون تفاصيل تشخيصية اتحادا وتوافقا وخشية إيمانية وإجلالا لمقدسه من جانب ، ومن جانب اخر كون التكوين الفني قائم على العلاقات اللونية وارتباطاتها والتقليل من حدة الخطوط وعدم التركيز عليها ، تحقيقا لإيقاع حزين يخدم فكرة الموضوع ، وقد أعطت درجات اللون االقرمزي وامتزاجه بالأصفر والازرق تعبيرا عن حزن السماء وتحقيقا للفكرة المنشودة .

ان الصورة الشكلية التي طرحها الفنان في هذا المنجز الفني والمعبرة عن الوجدان الانساني وبفضل تنظيمها وتناسق ألوانها وإبداعها وتصويرها لرموز واضحة المعاني والدلالة هي رموز انفعالية وحيوية وافقت بين الموضوعي والذاتي  ، فأنتجت مساحة قدسية فرضتها العقيدة الدينية فأضحى التكوين العام للوحة يمثل صورة مستقلة مكتفية بذاتها من الممكن إدراكها إدراكا مباشرا بفعل ارتباطها بواقعة ألطف واحداثها ، والتي شكلت مجتمعة جماليات يتلقاها المشاهد فور تعرضه للوحة ، فنالت بذلك - كغيرها من سلسلة لوحات هذا المعرض - القبول والرضا والدوام باستمرار تداو ليتها وتكرار فكرتها بصيغ مختلفة ورفعها كشعار ثابت كل عام في أحياء ذكرى واقعة الطف .

أن القيم الروحية والجمالية  التي أراد الفنان إظهارها عبر هذه اللوحة حاول محاكاتها بشكل يكون أكثر واقعية من خلال مخزونه العقائدي الروحي " حب ال البيت " على مستوى المضامين ، ويتجسد ذلك عبر نقله لتلك الرسوم بشكل بسيط ومعبر لكنه محملاً بدلالات رمزية روحية تشكل عامل جذب لعقول وقلوب المتلقين ويبدو انه قد وفق بذلك .

جعلنا الله واياكم من الفائزين بحب الحسين والسائرين على نهجه وخطاه بحق محمد وآله .

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

مقالات ذات صلة

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية
لوحات

الحداثة والموروث .. تجليات من الروح الانسانية

الحداثة هي نزعة إنسانية تطورية تحمل طابعاً يتنازعه الاختلاف والتعقيد خلال حركتها المتواصلة عبر التاريخ وهذا ما يجعل منها مصطلحاً لا يخلو من قوام الهلامية والتداخل، ولا شك أن أفق الحداثة هو افق ممتد ومتواصل سواء كان ذلك نتيجة قطيعة مع الماضي أو لا ، فالحياة بطبيعتها تشهد متغيرات مستمرة حتى وإن اتخذت نسقاً مناقضاً، فأنها تحمل بواعث تفجّرها في الداخل ، وهذا ما حدث لكل المناهج الفكرية منها الفن.

صرخة ألم ..
لوحات

صرخة ألم ..

اللوحة تجسد عملاً فنياً عقائدياً جَسدَ فاجعة استشهاد الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه، حينما ألقى جلاوزة الطاغية بجنازة الأمام على جسر بغداد في الوقت الذي كان شيعته ينتظرون خروجه حياً كما وُعدوا، وكما يتبين للمشاهد ان المنجز الفني يحمل بصمة الفنان الايراني حسن روح الامين المتميز بأسلوبه الواقعي في طرح موضوعاته الفنية التي يستشعر المشاهد من خلالها مدى حبه وشغفه بأهل بيت النبوة الأطهار سلام الله عليهم اجمعين، وتتبع وقائع مظلوميتهم وتوثيقها بعناية تامة لتتناقل عبر الاجيال، معتمدا بذلك على الروايات المتواترة والخيال بعيدا عن الغلو والتطرف في طروحاته الفنية المميزة .

استحضارات الهامية
لوحات

استحضارات الهامية

في فن الخط تكتسب الحروف المكتوبة مكانة رمزية، لكن حين تفقد تحديداتها الخارجية يصبح القارئ مضطراً إلى اللجوء إلى خياله ليتمكن من فك الرموز لبلوغ المعنى الكامن في الكلمة )... هذا ما اكده مبدع اللوحة اعلاه في وصف اسلوبه الفني المبتكر، انه التشكيلي التونسي ( نجا مهداوي ) ، وهو خطاط وفنان تشكيلي ولد عام 1937م وامتهن الفن الذي اولع فيه منذ الصغر حتى تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن ثم مدرسة متحف اللوفر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

سجّل الدخول للتعليق بحسابك الموثّق.